العيني

28

عمدة القاري

ثم أتى براحلته فركبها ، فلما استوت به البيداء أهلَّ ، ثم قال : فذهب قوم إلى هذا فاستحبوا الإحرام من اليبداء لإحرام النبي ، عليه الصلاة والسلام ، منها . وأراد بالقوم هؤلاء : الأوزاعي وعطاء وقتادة ، وخالفهم في ذلك آخرون ، وأراد بهم الأئمة الأربعة وأكثر أصحابهم ، فإنهم قالوا : سنة الإحرام أن يكون من ذي الحليفة . وفي ( شرح الموطأ ) : استحب مالك وأكثر الفقهاء أن يهل الراكب إذا استوت به راحلته قائمة ، واستحب أبو حنيفة أن يكون إهلاله عقب الصلاة إذا سلم منها ، وقال الشافعي : يهل إذا أخذت ناقته في المشي ، وحين كان يركب راحلته قائمة كما يفعله كثير من الحجاج اليوم ، وقال عياض : جاء في رواية : ( أهل رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، إذا استوت الناقة ) . وفي رواية أخرى : ( حتى استوت به راحلته ) ، وفي أخرى : ( حتى تنبعث به ناقته ) ، وكل ذلك متفق عليه . ثم قال الطحاوي : أجاب هؤلاء عما قاله أهل المقالة الأولى من استحباب الإحرام من البيداء وحاصله : لا نسلم أن إحرامه ، عليه الصلاة والسلام ، من البيداء يدل على استحباب ذلك ، وأنه فضيلة اختارها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه يجوز أن يكون ذلك ، لا القصد أن للاحرام منها فضيلة على الإحرام من غيرها ، وقد فعل ، عليه الصلاة والسلام ، في حجته في مواضع لا لفضل قصده ، ومن ذلك نزوله بالمحصب . وروى عطاء عن ابن عباس ، قال : ليس المحصب بشيء ، إنما هو منزل نزله رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، فلما حصب رسول الله ، عليه السلام ، ولم يكن ذلك لأنه سنة ، فكذلك يجوز أن يكون إحرامه من البيداء كذلك . قال : وأنكر قوم أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من البيداء ، وقالوا : ما أحرم إلاَّ من المسجد ، وأراد بالقوم هؤلاء : الزهري وعبد الملك بن جريج وعبد الله بن وهب ، ورووا في ذلك ما رواه مالك عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه أنه قال : ( بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، أنه أهل منها ، ما أهل رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، إلاَّ من عند المسجد ) ، يعني : مسجد ذي الحليفة ، أخرجه الطحاوي عن يزيد بن سنان عن عبد الله بن مسلم عن مالك عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه ، وأخرجه الترمذي أيضاً . فان قلت : كيف يجوز لابن عمر أن يطلق الكذب على الصحابة ؟ قلت : الكذب يجيء بمعنى الخطأ ، لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب ، كما أن ضد الكذب الصدق ، وافترقا من حيث النية والقصد ، لأن الكاذب يعلم أن الذي يقوله كذب ، والمخطىء لا يعلم ولا يظن به أنه كان ينسب الصحابة إلى الكذب . قال الطحاوي : فلما جاء هذا الاختلاف بيَّن ابن عباس الوجه الذي جاء منه الاختلاف كما ذكرنا آنفاً . 31 ( ( بابُ التَّيَمُّنِ في الوُضُوءِ والغُسل ) ) أي : هذا باب في باين التيمن في الوضوء والغسل ، والتيمن هو الأخذ باليمين . والمناسبة بين الأبواب ظاهرة من حيث إن الأبواب الماضية في أحكام الوضوء ، والتيمن أيضاً من أحكامه ، ولا سيما بينه وبين الباب الذي قبله ، لأنه في غسل الرجلين وفيه التيمن أيضا سنة أو مستحب . 167 حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا إسْماعِيلُ قال حدّثنا خالِدٌ عنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سيرِين عنْ أُمِّ عطِيَّةَ قالتْ : قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لَهُنَّ في غسْلِ ابْنَتِهِ : ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا . . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : ( بميامنها ) ، لأن الامر بالتيمن في التغسيل والتوضئة كليهما مستفاد من عموم اللفظ . بيان رجاله وهم خمسة : الأول : مسدد بن مسرهد ، وقد ذكر . الثاني : إسماعيل : هو ابن علية ، وقد مر . الثالث : خالد الحذاء ، وقد مضى . الرابع : حفصة بنت سيرين الأنصارية ، أخت محمد بن سيرين . الخامس : أم عطية بنت كعب ، ويقال : بنت الحارث الأنصارية ، واسمها نسيبة ، بضم النون وفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة وفي آخره هاء ، وحكي فتح النون مع كسر السين : يعني يحيى بن معين ، ولها صحبة ورواية ، تعد في أهل البصرة ، وكانت تغسل الموتى وتمرض المرضى وتداوي الجرحى وتغزو مع رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، غزت معه سبع غزوات ، وشهدت خيبر